نرصد جديد الوظائف على مدار الساعة

الإعلانات التقليدية مقابل الرقمية: هل يحقق التسويق العقاري العصري تطلعات المشترين؟


في مساء هادئ، كان “أولفير كولنز”، موظف سابق في إحدى المؤسسات الحكومية، يراقب ابنه وهو يتصفح مجموعة من تطبيقات الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي بحثًا عن منزل جديد يلبي احتياجاته المستقبلية.


بتطبيق عدد قليل من النقرات، ظهرت أمامه العديد من الخيارات مصحوبة بصور ثلاثية الأبعاد، ومقاطع فيديو تفاعلية، بالإضافة إلى تقييمات من سكان المنطقة.


ابتسم “كولنز” حين تذكر تجربته قبل أكثر من عشرين عامًا عندما اشترى منزله الحالي، حيث أجبر حينها على القيام بالعديد من المكالمات الهاتفية، وزيارة وكالات العقارات، والتنقل بين أحياء عديدة قبل أن يتخذ قراره النهائي.


للاطلاع على المزيد من المواضيع والتقارير في صفحة مختارات أرقام


أصبح الفارق بين الماضي والحاضر واضحًا؛ إذ بينما كانت طرق التسويق العقاري تعتمد على الإعلانات المطبوعة واللوحات الإعلانية والزيارات الميدانية، فقد انتقلنا اليوم إلى أداة أسرع وأكثر شفافية وتفاعلاً بفضل التقنية الرقمية.


مع دخول العصر الرقمي، شهد القطاع العقاري تحولًا جذريًا، حيث تم اعتماد أساليب تسويقية مبتكرة تسهم في الوصول الفعال والمرونة في تلبية احتياجات المستهلك المتغيرة.


لكن يبقى السؤال المهم: هل تلبي هذه الطرق الجديدة حقًا متطلبات السوق، أم أن السوق يحتاج إلى ممارسات تجمع بين التكنولوجيا والثقة الشخصية، مما يخلق توازنًا بين الابتكار والثقة؟

تغير سلوك المشترين


لم يعد المشترون اليوم يتقبلون الإعلانات العقارية بشكل سلبي، بل أصبحوا يبحثون بأنفسهم عبر الإنترنت، يقارنون الخيارات عبر منصات متعددة، ويطالبون بشفافية أكبر قبل اتخاذ قرار الشراء.


وفقًا لتقرير الرابطة الوطنية للوسطاء العقاريين لعام 2024، استخدم 97% من مشتري المنازل في الولايات المتحدة الإنترنت في عملية البحث.


في المملكة المتحدة، أظهرت دراسة عام 2024 أن حوالي 93% من مشتري المنازل يعتمدون على القنوات الرقمية للبحث عن العقارات، وهو ما يفوق المعدل العالمي.


تشير الأنماط العالمية إلى بروز منصات مثل “رايت موف” في المملكة المتحدة و”بروبرتي فايندر” في منطقة الشرق الأوسط كأدوات أساسية في الوساطة العقارية.


تشير البيانات إلى زيادة الاعتماد على الإنترنت في البحث عن العقارات، حيث ذكر التقرير أن 76% من المشترين في الولايات المتحدة بدأوا بحثهم عبر هواتفهم الذكية، مقارنةً بـ36% قبل عقد من الزمن.


هذا يظهر أن الهواتف المحمولة أصبحت الأداة الرئيسية لاكتشاف الخيارات العقارية، عوضًا عن الوسيطين التقليديين أو الصحف.


هذا التحول أجبر المسوقين العقاريين على تجاوز الإعلانات التقليدية والاتجاه نحو استراتيجيات رقمية مثل الحملات المستهدفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتحسين محركات البحث.


عكس الأشكال الثابتة من الإعلان، تسمح هذه الأدوات باستهداف الجمهور بناءً على البيانات الديموغرافية والموقع والسلوك الرقمي، مما يعزز الكفاءة والدقة.

الأدوات الرقمية تعيد تشكيل السوق


أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مثل إنستغرام، وتيك توك، وفيسبوك منصات قوية للتسويق العقاري.


توفر مقاطع الفيديو القصيرة، والبث المباشر، والشراكات مع المؤثرين تجارب تفاعلية تجذب جيل الألفية و”زد”، كما تعطي إعلانات جوجل والبرامج الإعلانية الوكالات القدرة على استهداف الباحثين عن العقارات أثناء عملية البحث.


في الولايات المتحدة، أظهرت البيانات لعام 2024 أن 86% من مشتري المنازل اعتمدوا على وكلاء عقاريين، في حين استخدم 69% منهم الهواتف المحمولة أو الأجهزة اللوحية خلال بحثهم.


كما أن تقنيات الواقع الافتراضي والمعزّز غيرت قواعد اللعبة؛ إذ يمكن للمشترين الآن القيام بجولات ثلاثية الأبعاد من منازلهم دون الحاجة للذهاب في جولات ميدانية متعددة.


أظهر تقرير لشركة “برايس ووترهاوس كوبرز” أن العقارات التي تم تسويقها عبر جولات ثلاثية الأبعاد شهدت زيادة في الطلب بنسبة 40% مقارنة بتلك التي تعتمد على الصور الثابتة فقط، كما ساهمت صور الطائرات المسيرة في تقديم رؤية أوضح للموقع والمحيط.


أصبح استخدام أنظمة إدارة علاقات العملاء والمساعدات الذكية المدعومة بالذكاء الاصطناعي أمرًا حيويًا في متابعة العملاء، حيث توفر دعمًا على مدار الساعة، وتقدم توصيات شخصية، وتُعَزز من عمليات المتابعة لضمان عدم فقدان أي فرصة.


تشير بيانات ديلويت إلى أن 56% من المشترين يتوقعون الحصول على معلومات دقيقة حول الأحياء مثل الخدمات، والمدارس، ووسائل النقل من خلال المنصات العقارية الرقمية، وليس من خلال الزيارات الميدانية.

هل تلبي هذه الأساليب احتياجات السوق؟


رغم أن التسويق الرقمي زاد من الكفاءة ومدّ نطاق الوصول، إلا أن قدرته على تلبية احتياجات السوق لا تزال مرتبطة بثلاثة عوامل أساسية: الوصول، الثقة، والتخصيص.


فيما يتعلق بالوصول، تتيح المنصات الرقمية الحصول على المعلومات العقارية بشكل لم يسبق له مثيل عالميًا.


أصبح من الممكن للمشتري في لندن تصفح فيلا في دبي خلال لحظات، وهو ما يتيح للمستثمرين الدوليين فرصًا أكبر للاستفادة من الانفتاح وسهولة الوصول إلى الخيارات المتاحة.


تظل الثقة والشفافية من أبرز التحديات في هذا المجال، حيث أن الإعلانات الرقمية المبالغ فيها قد تثير الشكوك حول مدى تطابق الواقع مع ما يتم تسويقه.


وللتغلب على هذا التحدي، بدأت المنصات العقارية في التركيز على القوائم المدعومة بالبيانات، وإبراز تقييمات العملاء، وتوفير معلومات دقيقة عن الأحياء، مما يساعد في بناء الثقة مع المشترين.


ومع ذلك، لا يزال القلق بشأن خصوصية البيانات حاضرًا، خاصة مع القوانين الأوروبية والأمريكية الصارمة التي تفرض قيودًا على كيفية جمع واستخدام بيانات المستهلكين.

الموازنة بين التقليدي والرقمي


على الرغم من هيمنة الأدوات الرقمية، لا يزال التسويق التقليدي يحتفظ بقيمته، خصوصًا في القطاعات الفاخرة أو في الأسواق التي تعتمد فيها المشترون على الثقة المباشرة.


غالبًا ما يفضل الأثرياء الذين يبحثون عن شراء عقارات الجولات الحصرية، والمعارض العقارية الفاخرة، والكتيبات المطبوعة، لذا فإن النموذج الهجين الذي يجمع بين مصداقية التقليدي وسرعة الرقمي هو الأكثر فعالية.


في النهاية، يستمر القطاع العقاري في تبني التسويق الرقمي بسرعة مذهلة، مما أعاد تشكيل أسلوب عرض وبيع العقارات.


من الحملات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي إلى الجولات الافتراضية، تلبي هذه الأدوات احتياجات المشترين العصريين من حيث الراحة، والشفافية، والوصول العالمي.


ومع ذلك، فهي ليست الحل المثالي للجميع، لأن النجاح يعتمد على قدرة الشركات على الموازنة بين الابتكار الرقمي واحتياجات السوق الواقعية، مع الحفاظ على الثقة كمبدأ أساسي.


باختصار، لم يعد السؤال اليوم هو ما إذا كان التسويق الرقمي سيحل محل التقليدي، بل كيف يمكن دمجهما معًا في صيغة أكثر توازنًا تضمن الكفاءة والشفافية والموثوقية.


المستقبل لن يكون لمن يمتلك أدوات رقمية فقط، بل لمن يعرف كيف يستخدمها في بناء جسور ثقة حقيقية مع العملاء.


المصادر: أرقام – الرابطة الوطنية للوسطاء العقاريين – برايس ووترهاوس كوبرز – ديلويت – مجلة هارفارد للأعمال – فايننشال تايمز

أزرار التواصل

تابعنا على مجتمعاتنا الرقمية

انضم لمجتمع التلجرام Telegram انضم لقناة الواتس أب WhatsApp تابعنا على منصة إكس X تابعنا على تيك توك TikTok